محمد بن محمد ابو شهبة

254

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فوجد الرسول الفرصة سانحة لتخليص بني المصطلق مما وقعوا فيه ، فقال لها : « فهل لك في خير من ذلك ؟ » ، قالت : وما هو يا رسول اللّه ؟ قال : « أقضي عنك كتابتك وأتزوجك » ، قالت : نعم ، وخرج الخبر إلى الناس ، وفشا بينهم أن رسول اللّه قد تزوج جويرية بنت الحارث ، وكان المسلمون عند حسن ظنه وبعد نظره ، فقالوا : أصهار رسول اللّه يسترقون ؟ ! ! فأطلقوا كل من بأيديهم ، قالت عائشة - راوية القصة - : فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق ، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها . وبفضل هذا التصرف النبوي الحكيم أسلم بنو المصطلق عن طواعية جميعا ، وصاروا أعوانا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم . حدثان عظيمان في هذه الغزوة وفي هذه الغزوة نجمت حادثتان عظيمتان : إحداهما كادت تحدث فتنة بين المسلمين لولا أن النبي تدارك ذلك بموهبته السياسية الفائقة ، والثانية حادثة الإفك التي حسم الكلام بشأنها وحي السماء ، ونزل بسببها تشريع عام خالد . الحدث الأول بينما المسلمون على الماء يستقون ، وكان مع عمر غلام أجير له من بني غفار يسمى جهجاه بن مسعود الغفاري يقود له فرسه ، فتزاحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء وتضاربا ، فصرخ الجهني : يا معشر الأنصار ، وصاح الغفاري : يا معشر المهاجرين ، فاجتمع الفريقان ، وكادوا يقتتلون ، فذهب إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : « أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ دعوها فإنها منتنة » ، وأزال ما بينهما من شحناء ونيّم الفتنة . ولكن عبد اللّه بن أبيّ رأس النفاق أراد أن يوقظها ، ويذكي لهبها ، فقال وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم - : أو قد فعلوها ؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا ، واللّه ما نحن وهم إلا كما قال الأول : ( سمّن كلبك يأكلك ) . أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، ثم أقبل على الحاضرين